الشيخ محمد رشيد رضا

23

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

لا يختلفون فيه ، وهو حكم اللّه . ولذلك قال ( كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آياتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ ) أي ليعدكم ويؤهلكم بها للاهتداء الدائم المستمر فلا تعودوا إلى عمل الجاهلية من التفرق والعدوان . ثم قال : التفرق والاختلاف قسمان : قسم لا يمكن أن يسلم منه البشر ، فالنهي عنه من قبيل تكليف ما لا يستطاع ، وليس بمراد في الآيات ؛ وقسم يمكن الاحتراس منه وهو المراد بها . أما الأول فهو الخلاف في الفهم والرأي ولا مفر منه لأنه مما فطر عليه البشر . كما قال تعالى ( 11 : 118 وَلا يَزالُونَ مُخْتَلِفِينَ إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذلِكَ خَلَقَهُمْ ) فاستواء الناس في العقول والافهام مما لا سبيل إليه ولا مطمع فيه . إذ هو من قبيل الحب والبغض ، فالأخوة الأشقاء في البيت الواحد تختلف أفهامهم في الشئ كما يختلف حبهم له وميلهم إليه . وأما الثاني - وهو ما جاءت الأديان لمحوه - فهو تحكيم الأهواء في الدين والأحكام ، وهو أشد الأشياء ضررا في البشر ، لأنه يطمس أعلام الهداية التي يلجأ إليها في إزالة المضار التي في النوع الأول من الخلاف . أما كون القسم الأول غير ضار فهو ما يعرفه كل أحد من نفسه ، ذكر ذلك الأستاذ الامام وضرب له المثل بنفسه ، فقال ما مثاله : إن بيني وبين بعض أصحابي الصادقين في محبتي وإرادة الخير لي خلافا في إلقاء هذا الدرس هنا . فأنا أعتقد أن إلقاء درس التفسير في الأزهر عمل واجب علىّ وخير لي ولا أشك في هذا ؛ كما أنني لا أشك في هذا الضوء الذي أمامى ، ويوجد من أصحابي من يعتقد أن ترك هذا الدرس خير لي من قراءته ويحاجونى في ذلك ، قائلين : إن تأخرى لأجل الدرس إلى الليل ضار بصحتى وإنه مثير لحسد الحاسدين لي ، ودافع لهم إلى الكيد والايذاء ، وأن الدرس نفسه عقيم لأن أكثر الذين يسمعونه لا يفقهون ما أقول ولا يفهمون ، ومن فهم لا يرجى أن يعمل به لغلبة فساد الاخلاق . هذه حجة بعض أصحابي في مخالفة رأيي واعتقادي يصرحون لي بها ، ومع ذلك ألقاهم ويلقوننى لم ينقص ذلك